بين دستورية النص التشريعي ومشروعيته المحكمة الاتحادية العليا تحيل المادة 113 الأصولية خارج الخدمة

التبويبات الأساسية

9 آذار 2018 - 8:26م

 

العيــون الساهـــرة ...الرائد الحقوقي ستار مزعل فرحان

 

أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارها المرقم 115/اتحادية /إعلام / 2017 في 24/10/2017والذي يقضي بعدم دستورية نص المادة / 113/أولا من قانون أصول المحاكمات الجزائية لقوى الأمن الداخلي رقم 17 لسنة 2008 لتعارضها مع (نص المادة/47 والمادة / 19 /أولا وسادسا من دستور جمهورية العراق لعام 2005) وهنا لابد من مناقشة الموضوع وفق المحاور الأربعة  التالية :-

المحور الأول :-  مشروعية النص التشريعي

    استقام نص المادة/ 113 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لقوى الأمن الداخلي رقم 17 لسنة 2008  كاملة  بالاتي :-

(( أولا-  للوزير بقرار مسبب عدم الموافقة على إحالة رجل الشرطة على المحاكم الجزائية المدنية إذا ظهر أن الجريمة ناشئة عن قيامه بواجباته الرسمية أو بسببها وبناءا على توصية مجلس تحقيقي يشكل لهذا الغرض.

ثانيا- يكون القرار المتخذ وفقا للبند ( أولا) من هذه المادة مانعا من اتخاذ التعقيبات القانونية بحق رجل الشرطة عن تلك الجريمة وللمدعي العام ولكل ذي مصلحة الطعن بقرار الوزير لدى محكمة القضاء الإداري وفقا للقانون .

ثالثا- تستثنى من وقف التعقيبات القانونية جرائم المخالفات والجرائم المخلة بالشرف .

رابعا- يكون للقرار الصادر بالوقف النهائي للتعقيبات القانونية ذات الآثار التي تترتب على الحكم بالبراءة ولا يمنع ذلك من قيام المتضرر بمراجعة المحاكم المدنية للمطالبة بالرد والتعويض ))

      وبالرجوع إلى قانون واجبات رجل الشرطة في مكافحة الجريمة رقم (176) لسنة 1980 المكون من خمس مواد ، فانه أناط بقوى الأمن اختصاص فرض الأمن الداخلي والمحافظة على النظام ومنح رجال الشرطة صلاحية استعمال القوة لأداء واجباته وصلاحية استعمال السلاح الناري في حالة الدفاع الشرعي ، شريطة أن يقصد بهذا الفعل دفع فعل يتخوف منه الموت أو الجراح البالغة أو القبض على مجرم أو منعه من ارتكاب الجريمة أو دفع ما يمكن أن يحصل من احتلال أو تدمير للمكان أو تعريض حياة الناس للخطر.  

      كما إن قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 النافذ حاليا فانه يقرر في المادة / 39 منه  القاعدة العامة بأنه لا جريمة إذا وقع الفعل قياما بواجب يفرضه القانون فكل فعل يكون قياما بواجب قانوني فانه لا يعد جريمة وقرر في المادة/ 40  من هذا القانون انه لا جريمة إذا وقع الفعل من موظف أو مكلف بخدمة عامة كالشرطة والجيش والقوى الأمنية في حالة قيامه بسلامة نية بفعل تنفيذ أمر الذي أمرت به القوانين أو تنفيذ أمر صدر إليه من رئيس تجب طاعته كالأوامر التي يصدرها القادة في القوى الأمنية، وقررت المادة / 42 من نفس القانون أن لا جريمة أيضا على أعمال العنف التي تقع على من ارتكب جناية أو جنحة مشهودة بقصد ضبطه أما المادة / 63  من هذا القانون فإنها حددت حالة الضرورة حيث لا يسأل جزائيا من ارتكب الجريمة لضرورة وقاية نفسه أو غيره أو ماله أو مال غيره من خطر جسيم محدق .

    ولدى مطالعة الأسباب الموجبة من وجود هذا النص المادة/ 113 الأصولية  بأقسامها الأربعة يتبين  انه وجد كضمانة قانونية لحماية الأجهزة الأمنية بمناسبة قيامها بتأدية واجباتها الوظيفية القانونية الرسمية التي تتطلب منهم بذل جهود مضاعفة وتقديم تضحيات من اجل تطبيق القانون وفرض الأمن والنظام العام في البلد ولا تشمل هذه الضمانة الجرائم الجنائية أو جرائم الإخلال بشؤون الوظيفة ، والتي بدونها لا يمكن للأجهزة الأمنية أن تعمل بكفاءة واندفاع عالي في أداء واجباتها ، ولا يخفى على المتتبع للشأن القانوني إن من مقومات الدولة القانونية هي وجود الدستور وتدرج القواعد القانونية والمشروعية التي تعني سيادة حكم القانون والاعتراف بالحقوق والحريات والرقابة القضائية ومبدأ الفصل بين السلطات وهذه المقومات على درجة واحدة من الأهمية لقيام دولة القانون وان مشروعية النص القانوني للمادة /113 الأصولية كونها صادرة من السلطة التشريعية المختصة ومضى على تطبيقها أكثر من عقد من الزمان ونظرا لما قدمته تلك الأجهزة وخصوصا جهاز الشرطة الاتحادية والمحلية والتدخل السريع خلال المعارك الأخيرة مع عصابات الكفر والإلحاد (داعش) من تضحيات من اجل تحرير مدن العراق يحتم توفير الغطاء القانوني والحماية القانونية لهم من خلال الإبقاء على النصوص القانونية التي تضمن تلك الحماية.

إذ يكون وزير الداخلية ومساعدوه هم المرجع القضائي و الإداري للأجهزة الأمنية ويسأل عنها أمام النظام السياسي ويمارس صلاحياته التي يخولها له الدستور المتمثل في نص المادة/ 99 من دستور جمهورية العراق لعام 2005 والقانون المتمثل بقانون العقوبات رقم 14 لسنة 2008 وقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 17 لسنة 2008 وقانون الخدمة والتقاعد رقم 18 لسنة 2011 لقوى الأمن الداخلي  ، إذ يتمتع الوزير بصلاحيات قضائية  واسعة  يمثل فيها دور رئيس السلطة القضائية العسكرية في وزارة الداخلية بحكم القانون ويختص في تشكيل محاكم قوى الأمن الداخلي وتسمية قضاة المحاكم في عموم البلد ومحاكم التمييز والادعاء العام استنادا لأحكام المواد 28 / بأقسامها التسعة والمادة / 76 والمادة/77  من قانون أصول المحاكمات الجزائية لقوى الأمن الداخلي رقم 17 لسنة 2008 ويقوم بجميع ما يلزم باتجاه الأشراف على أعمال الأجهزة الأمنية و يسأل عن تطورها ورفع مستوى كفاءتها الفنية و المحاسبة القانونية على أخطاء العاملين فيها و هو مسؤول كذلك أمام رئيس السلطة التنفيذية (رئيس الوزراء) .      

المحور الثاني :- دستورية النص التشريعي 

     إذ منحت المادة/ 99 من دستور جمهورية العراق لعام 2005الصلاحية لتنظيم القضاء العسكري وتحديد اختصاصاته في الجرائم التي تقع من قبل أفراد القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي ، كما وان قانون أصول المحاكمات الجزائية لقوى الأمن الداخلي المرقم 17 لسنة 2008 أعطى ضمانة قانونية بحكم القانون ولم يعط حصانة لرجل الشرطة عند ارتكابه جريمة إذ أن عدم موافقة الوزير المختص على إحالة رجل الشرطة على محاكم الجزاء المدنية للأسباب الواردة في القانون لا يؤثر على المباشرة بالتحقيق مع رجل الشرطة فان امتنع الوزير عن الموافقة على إحالته على محاكم الجزاء المدنية ووجد المدعي العام وكل ذي مصلحة أن الوزير كان متعسف في استعمال صلاحياته القانونية بعدم الموافقة على الإحالة فيمكن الطعن بقرار الوزير لدى محكمة القضاء الإداري والحكم الذي ستصدره هذه المحكمة سيكون قابلا للتمييز أمام الجهة المختصة قانونا.

المحور الثالث : - المصلحة التي يحميها القانون

     ورغم أن وجود الأجهزة الأمنية ضرورة حتمية لأي دولة سواء في الأزمنة السابقة أو اللاحقة  وتنبع ضرورة وجودها من ضرورة الأمن نفسه ، وهنا لابد لنا من التذكير بان مفهوم ألأمن يعني في اللغة طمأنينة النفس وزوال الخوف والإنسان يكون آمنا إذا استقر الأمن في نفسه و قلبه ،  وأمن البلد يعني اطمئنان أهله فيه  وهذا مرهون بوجود القائمين على أمنه وسيادته0

ومفهوم الشرطة القائمين على هذا الأمن في اللغة تعني المختار من كل شيء .. و شرطة كل شيء خياره .. و شرطة الفاكهة أطيبها .. و شرطة الجند البارزون فيهم المتصفون بالشجاعة يبدءون القتال و يتهيئون للموت جهادا في سبيل الحق أو ينالوا النصر،  أما في الاصطلاح الشرطة  هي ( الهيئة النظامية المكلفة بحفظ الأمن و النظام و تنفيذ أوامر الدولة وأنظمتها ) ومن هنا يمكن القول إن الشرطة ( هي الجهاز أو الهيئة القائمة على حفظ الأمن و النظام العام و تحقيق الأمن العام والسكينة والسلامة العامة) وفي المقابل فان الشرطة تحتاج إلى ضمانات أكيدة لهم ولعوائلهم بمناسبة قيامهم بتلك الأعباء.

      وترتبط الأجهزة ألأمنية في معظم دول العالم أن لم تكن جميعها بوزارة الداخلية إحدى مكونات السلطة التنفيذية في الدولة سواء في ارتباطها الإداري أو في تسلسل قنواتها الفنية الممتدة بين جميع أجهزة الأمن و بين السلطة التنفيذية مرورا بوزارة الداخلية المسؤولة عن الأمن و بناء الأجهزة الأمنية و الرقابة على أعمالها .

        ويلاحظ في الوقت نفسه أن العمل الأمني من أهم واجبات الدولة إذ ترتبط أهمية الأجهزة الأمنية و مكانتها في الدولة بأمن المجتمع نفسه ، كذلك ترتبط الأجهزة الأمنية بعلاقة عمل مع جميع أجهزة الدولة و مؤسساتها و خاصة أجهزة السلطة القضائية وتنفيذ جميع القرارات التي تتعلق بالحقوق العامة والخاصة للمواطنين والتي تصدر من السادة القضاة بجميع الطرق القانونية ولولا وجود الأجهزة المنفذة لتلك القرارات لبقيت حبرا على ورق من دون تطبيق وصار امن المواطن وحقوقه عرضة للضياع .

       بالتالي يفترض التعاون الأمني وجود علاقة بناءة ووثيقة بين أجهزة الأمن و بين جميع أجهزة الدولة و مؤسساتها وخصوصا القضائية منها  لكون الأمن ضرورة للجميع و ذلك لا يتم إلا  إذا ارتقى الوعي الأمني لدى القائمين عليه  وعامة الناس و خاصتهم كما هو الحال لدى الدول المتقدمة التي تنظر لرجل الأمن بأنه مواطن صالح يحمي الأخلاق و الحقوق والأمن ورفاهية الشعب ولا ينظر له بعين الشك كما هو الحال في بعض دول العالم الثالث نتيجة رواسب الأنظمة الدكتاتورية التي أوجدت أجهزة أمنية متضخمة مهمتها إذلال الشعب وإخضاعه للقائد أو الزعيم الحاكم الذي يرى إمكانية تسخير جميع إمكانات الدولة من أجل بقائه .

المحور الرابع :- التطبيقات القضائية

وسبق للمحكمة الاتحادية العليا الموقرة أن نظرت في موضوع  دستورية المادة / 113 والمادة / 111 والمادة 112 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لقوى الأمن الداخلي وقد أعطت قراراتها  الباتة والنهائية بشأنها وكذلك في  اختصاصات  السلطة التشريعية والقضائية وكفالة حق التقاضي ومبدأ الفصل بين السلطات وهناك عدة تطبيقات في هذا المجال ومنها :-

- قرار المحكمة الاتحادية المرقم / 33/اتحادية/2013  في 6/5/2013 بخصوص نص المادة / 88 من دستور جمهورية العراق لعام 2005 القضاة مستقلون لا سلطان عليهم لغير القانون والحكم بدستورية المادة / 113/1  الأصولية  وعدم تعارضها مع أحكام  ونصوص الدستور.

- - قرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم 26/ اتحادية / إعلام / 2014 في 13/3/2014 بخصوص دستورية نصوص المواد 111 و112 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لقوى الأمن الداخلي وعدم تعارضهما مع نص المادة / 88 من دستور جمهورية العراق كونها وردت لأمور تنظيمية .

- قرار المحكمة الاتحادية بالعدد بلا في 2/7/2007 بخصوص نص المادة / 47 من دستور جمهورية العراق لعام 2005  مبدأ الفصل بين السلطات و الحكم بان المحكمة ليست جهة تشريعية .

- قرار المحكمة الاتحادية بالعدد 20 ، اتحادية /2006 في 20/2/2007 بخصوص المادة / 19من دستور جمهورية العراق لعام 2005 كفالة حق التقاضي  والحكم بان التقاضي يشمل المنازعات كافة .

 

 

 

الخاتمة

ومن كل ما تقدم في أنفا يرجى مخاطبة الجهات المختصة لتقديم التماس إلى السادة قضاة المحكمة الاتحادية العليا لإعادة النظر في صياغة قرارها المشار إليه في أعلاه والإشارة إلى الفقرة المتعلقة بإعطاء الضمانات والحماية  القانونية لمنتسبي قوى الأمن الداخلي بمناسبة قيامهم بواجباتهم الرسمية  لتنفيذ القانون وبسط الأمن العام والنظام وإحلال الهدوء والسكينة العامة كون الموضوع يمس امن الدولة ويتعلق بشريحة واسعة في المجتمع ويسبب إرباك لعمل الأجهزة الأمنية.

المصادر

دستور جمهورية العراق لعام 2005
قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل
قانون واجبات رجل الشرطة في مكافحة الجريمة رقم (176) لسنة 1980
قانون عقوبات قوى الأمن الداخلي رقم 14 لسنة 2008
قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 17 لسنة 2008
قانون الخدمة والتقاعد لقوى الأمن الداخلي رقم 18 لسنة 2011
قرار المحكمة الاتحادية / 33/اتحادية/2013  في 6/5/2013
قرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم 26/ اتحادية / إعلام / 2014 في 13/3/2014
قرار المحكمة الاتحادية بالعدد بلا في 2/7/2007
 قرار المحكمة الاتحادية بالعدد 20 ، اتحادية /2006 في 20/2/2007
قرار لمحكمة الاتحادية العليا المرقم 115/اتحادية /إعلام / 2017 في 24/10/2017