سلطة الإدارة الانضباطية في قوانين قوى الأمن الداخلي

التبويبات الأساسية

13 نوفمبر 2017 - 4:44م
الرائد الحقوقي ستار مزعل فرحان ماجستير قانون عام

 

 

 

 

 

 

 الرائد الحقوقي ستار مزعل فرحان

  ماجستير قانون عام

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد واله الطيبين الطاهرين .     

لقد مرت القوانين التي تنظم عمل تشكيلات وزارة الداخلية العراقية وتحديدا  قوى الأمن الداخلي التي يقصد بها( الشرطة المحلية وشرطة الحدود والدفاع المدني والمرور والجنسية والشرطة الاتحادية وشرطة الحراسات وأية تشكيلات أخرى ترتبط بالوزارة) بعدة مراحل تاريخية متعاقبة  فكان أول قانون لانضباط رجال الشرطة العراقية هو قانون خدمة الشرطة وانضباطها رقم (7) لسنة1941، وظل نافذاً حتى ألغي بقانون خدمة الشرطة وانضباطها رقم (40) لسنة 1943 وأستمر القانون ساري المفعول مدة (25) سنة حتى تم إلغاؤه بقانون خدمة الشرطة والأمن والجنسية رقم (149)  لسنة 1968، وبموجب قانون رقم 184 لسنة1970 تم خضوع كافة منتسبي الشرطة إلى قانون العقوبات العسكري رقم (13) لسنة 1940 المعدل وحسب قانون رقم 177 لسنة 1970 تم خضوعهم لقانون أصول المحاكمات العسكرية رقم (44) لسنة 1941 المعدل واعتبارهم جزء من القوات المسلحة ويعاملون معاملة منتسبي الجيش ومن ذلك التاريخ لم يكن للشرطة قانون انضباط خاص بهم حتى صدور قانون عقوبات قوى الأمن الداخلي رقم (14) لسنة 2008 وقانون أصول المحاكمات الجزائية لقوى الأمن الداخلي  المرقم 17 لسنة 2008 التي بموجبها تم تنظيم طرق تأديب منتسبي قوى الأمن الداخلي.

 ويعد جهاز الشرطة هيئة نظامية تسير في إدارتها على نسق النظام العسكري ويرتدي أفرادها زياُ عسكرياً خاصاً يميزهم عن غيرهم ويحملون رتباً عسكرية ، ومن خصائص هذا النظام أيضا ، وما تفرضه طبيعته من واجب الطاعة هو تسلسل الرئاسات والتدرج على أساس الاقدمية والترقية في السلم الوظيفي ، وامتاز النظام التأديبي في الشرطة بصفة خاصة ، ونتيجة للطبيعة الخاصة و المتميزة لوظيفة الشرطة، فلا تعد وظيفتهم  وظيفة مدنية خالصة   ولا يمكن وصفها بوظيفة عسكرية بحته فالتأديب فيها يختلف عما هو عليه في الوظائف المدنية والعسكرية كما يختلف في أطار الشرطة بحسب الرتبة التي يتقلدها رجل الشرطة .

ففي الوقت الذي يجب مكافأة المجد المخلص والمنضبط المثابر بعمله يتوجب بالمقابل معاقبة المهمل المقصر العابث والمسيء غير المنضبط ، فعندما يخرج رجل الشرطة على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته التي يجب أن يؤديها بنفسه أو يقصر في انجازها بما تتطلب من حيطة ودقة وأمانة ،إنما يرتكب ذنباً إداريا يتعين تأديبه بفرض جزاء انضباطي يتناسب مع جسامة المخالفة ، وأن موضوع تأديب الموظفين العموميين الذين تنظم شؤونهم الوظيفية قوانين خاصة ومن بينهم رجال الشرطة ، لم تحظى تلك القوانين بالعناية الكافية من مؤلفات الفقهاء والباحثين في العراق و ندرة المراجع والمصادر ذات العلاقة بقانون خدمة الشرطة وانضباطها ، لذلك  فقد أحجم المتخصصون في علوم القانون الإداري عن الخوض في هذا المضمار على الرغم من كونه يمس شريحة كبيرة وواسعة من الموظفين العموميين وخاصة بعد عام 2003 في العراق تحديدا للإقبال الواسع من قبل شباب للانخراط في هذا السلك وذلك للحاجة الماسة لترسيخ الأمن والأمان في البلاد وبصدور قانون عقوبات قوى الأمن الداخلي رقم 14 لسنة 2008 وقانون أصول المحاكمات الجزائية لقوى الأمن الداخلي  المرقم 17 لسنة 2008 وقانون الخدمة والتقاعد لقوى الأمن الداخلي رقم 18 لسنة 2011 ومن اجل التوفيق بين الإعمال التي يضطلع بها منتسبي الأجهزة الأمنية وما يرافقها من صعوبات بوصفها  ذات طبيعة خاصة والسلطات الواسعة التي منحها لهم القانون يتطلب منهم سلوكا متوازنا كونهم يمثلون سلطان الدولة في المجتمع أصبح من الضروري ان يكونوا على اطلاع بالأنظمة والقوانين ذات الصلة بواجباتهم وعلى ما ورد فيها من قواعد قانونية ملزمة لهم تترتب عليهم أثارا مادية ومعنوية تمس مركزهم الوظيفي والقانوني ، وأن التأديب هو مدخل أساسي لإصلاح الوظيفة بشكل عام فإذا صلح الموظف صلحت الوظيفة ، وإذا فسد الموظف فسدت الوظيفة والموظف الذي لا يصلحه الثواب يردعه العقاب

 

 الأساس القانوني لسلطة الإدارة الانضباطية

 إن رجل الشرطة الذي يمارس امتيازات السلطة العامة الممنوحة له قد يخل فـي أداء الواجبات المكلف بها  وقد يستخدم السلطة الممنوحة لـه لأغراض لا تحقق المصلحة العامة  وقد يتعمد إحداث ضرر ، مما يؤدي إلى الإخلال بواجباته الوظيفية المكلف بها ، وهو الهدف الأساس لقواعد النظام القانوني والإداري الذي من اجله تم إصدار التشريعات والقوانين ذات الصلة بعمل جهاز الشرطة لذا أخذ المشرع على ترتيب جزاءات انضباطية في حالة إخلاله بواجباته الوظيفية ، ومن هنا جاءت تسميات مخالفة وعقوبة وسلطة انضباطية ، وهي أركان النظام الانضباطي  ويجب التمييز بين العقوبة التأديبية والإجراءات الداخلية التي تتخذها الجهة الإدارية لتنظيم عمل مرفق الشرطة بموجب سلطتها التقديرية باتخاذ كافة الإجراءات والتدابير وفقاً لقناعتها التنظيمية دون أن تهدف من ورائها إلى إنزال العقاب بالمنتسب في حالة التقصير بالواجب فمن حق إدارة الشرطة بل من واجباتها ، إن تحاسبه من خلال السلطة الانضباطية المختصة حسب الضوابط والإجراءات المحددة قانوناً ويعد النظام التأديبي من الوسائل الرادعة لرجل الشرطة ، ومنعه من ارتكاب الخطأ والضمانات المؤكدة التي ترغمه على احترام مهام وظيفته والمحافظة على مسؤولياتها .

 فقد أستوجب خضوع القائمين بها لتنظيم خاص ذات طابع عسكري فالعقوبة الانضباطية سواء كانت عسكرية أو مدنية يجب أن ينص عليها القانون أو بمقتضى قانون إعمالا ًلمبدأ قانونية الجرائم والعقوبات ( لا عقاب على فعل او امتناع إلا بناءا على قانون ينص على تجريمه وقت اقترافه ، ولا يجوز توقيع عقوبات او تدابير احترازية لم ينص عليها القانون ).

 وبرغم من إن الإدارة تمتلك سلطة تقديرية في فرض أي من العقوبات المنصوص عليها في قانون (ع.ق.ا.د) إلا إن هذه السلطة ليست مطلقة اذ يجب أن تكون العقوبة المفروضة على الموظف متناسبة مع الفعل الذي ارتكبه وفي هذا الشأن يذهب (مجلس الانضباط العام سابقا محكمة قضاء الموظفين حاليا ) في احد قراراته الى انه (... لما كان الهدف من العقاب هو الزجر والردع لا الانتقام وتوقيع الجزاء يجب أن يكون بالقدر الذي يقوم اعوجاج الموظف ويحفزه لمعاودة السير على النهج السليم ويجب ان تكون العقوبة متناسبة مع الذنب الإداري ).

وأن مجرد قيام المخالفة الانضباطية لا يعني فرض العقوبة حتماً على المخالف وإنما يتعدى ذلك إلى بيان وتوضيح الأسباب التي أدت إلى وقوع المخالفة ، فقد يكون الخطأ الوظيفي ناجماً عن سوء في التنظيم الإداري أو في تحديد وتوزيع الاختصاصات وغموضها او نقص في التدريب.

وفي هذا الشأن نرى إن التدريب أجراء علاجي يهدف الى تحصين رجل الشرطة من الوقوع بالخطأ ، فهو لا يعمل بكفاءة واجتهاد ما لم يتوفر لديه الفرصة الكافية للتدريب بعد حسن الاختيار ، ولا يكون  راضياً ما لم يكن أجره عادلاً وكافياً يحفظ  له كرامته ، ويمنح له مستوى معيشي مناسب في الحياة ، وأن تكون ظروف العمل مناسبة وقواعد وأسس الترقية وتقدير الكفاءة عادلة تكفل الاحتفاظ بروح معنوية عالية تمكنه من التفرغ كلياً للنهوض بأعباء وظيفته ، يزاد على ذلك الرغبة في أن يكون مطمئناً على مستقبله بعد انتهاء خدمته بمنحة راتباً تقاعدياً مرضياً يؤمن له الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم.

 

الطبيعة القانونية لسلطة الإدارة الانضباطية    

 إن الهدف من محاسبة رجل الشرطة في حالة خروجه عن مقتضيات واجباته الوظيفية هو تقويم مسار عمل جهاز الشرطة ، ومن المعروف أنّ عقوبة انضباطيّة شديدة  تعسفية قد يتعرّض إليها رجل الشرطة هي أقسى عليه في كثير من الأحيان من أحكام قضائيّة قد تنتهي بالعفو أو بالغرامة ، ولذلك لا يجوز فرض أي عقوبة انضباطية  إلا بعد إجراء تحقيق أصولي في المخالفات الّتي يرتكبها  في معرض قيامهم بواجباتهم أو التي يرتكبونها ضدّ رفاقهم أو رؤسائهم أو مرؤوسيهم أو في الأخطاء الوظيفية  التي تخل بالانضباط والأنظمة والتعليمات والأوامر .

ومما لاشك فيه إن رجل الشرطة وخصوصا منتسبي وزارة الداخلية من أفراد قوى الأمن الداخلي  بشكل عام هم المحور الرئيسي الذي يدور حولهم البحث ,اذ يمثل خضوعهم  للتأديب ومثولهم أمام جهة الإدارة كلما كانوا متعلقين بصفة رجل الشرطة وما دامت العلاقة مستمرة بينهم وبين مرفق الشرطة يتوجب عليهم الالتزام بواجباتهم المكلفين بها وفقا للقانون  وإكمالها على أتم وجه.

وفي المقابل تلتزم جهة الإدارة في الشرطة بتوفير كافة حقوقهم واحترامها وعدم المساس بها أو الانتقاص منها  وفي حالة إخلال رجل الشرطة بواجباته يستوجب توقيع الجزاء الانضباطي عليه بما يتناسب وجسامة المخالفة من قبل السلطة المختصة والمخولة  بصلاحية التأديب، وان مبدأ فرض العقوبة الانضباطية مقرون باستمرارهم بالعمل في مرفق الشرطة فإذا انتهت هذه الخاصية لم يعد للعقاب مكان .

ولكن طبيعة وخواص وعناصر بعض العقوبات الانضباطية في المجال التأديبي العسكري ونوعياتها ومسمياتها التي لم يعرفها التشريع التأديبي المدني يجعل لها طابعاً خاصاً متميزاً لا ينفي الهدف من كلتا العقوبتين المدنية أو العسكرية بالردع والزجر، وهو ما يتفق مع هدف الجريمة الجنائية ، او يعد جريمة من جرائم الضبط المنصوص عليها في قوانين قوى الأمن الداخلي الحالية التي وضع المشرع لكل من هذه الجرائم  العقوبة التأديبية المناسبة لها والتي تنال من مزايا الوظيفة وامتيازاتها.

      ولعل الغرض من فرض العقوبة هو تحقيق الردع العام وكذلك الردع الخاص بالنسبة إلى الشخص الذي تثبت إدانته بارتكاب جريمة تخل بالواجب الوظيفي المكلف به .

 

 السلطة المختصة بفرض العقوبات الانضباطية

 يقصد بالسلطة الانضباطية المختصة هي الجهة التي خولها المشرع لتطبيق العقوبات الانضباطية المنصوص عليها قانوناً في القوانين العسكرية الخاصة التي تنظم عمل تلك الجهة التي عينها المشرع لفرض العقوبات الانضباطية على المخالفين من رجال الشرطة وبين فيها نوعية العقوبة المفروضة عليهم من دون أن يتطرق إلى أنواع الجرائم الانضباطية التي يعاقب عليها القانون.

 وإذا كان المبدأ العام في تطبيق العقوبات هو قضائية العقوبة في القانون الجنائي بأن يكون أمر توقيع العقوبة يسند إلى القضاء بينما نجد إن هذا الأمر يختلف في العقوبة الانضباطية حيث تختص جهة الإدارة بفرضها اذ يكون للإدارة حق تكييف المخالفات وتحديد أركانها كما إن الإدارة تقوم كسلطة مختصة بتطبيق العقوبات التي نص عليها المشرع وتوقيعها على المخالفين وقد اشرنا فيما سبق إلى أن قانون (أ.ق.أ.د) المرقم 17 لسنة 2008 وثيق الصلة بقانون(ع.ق.أ.د) المرقم 14 لسنة 2008 فحيثما سرى الأول طبق الأخير ووفقا لهذا المبدأ فأن العقوبة الانضباطية تصدر بقرار من السلطة المختصة المتمثلة بالوزير المختص أو من يخوله هذه الصلاحية على ضوء العقوبات المقررة في قانون عقوبات قوى الأمن الداخلي كذلك سريان أحكام القواعد الجنائية السارية المفعول فيما لم يرد بشأنه نص في قانون عقوبات الشرطة.

وقد حدد قانون أصول المحاكمات الجزائية الجهات المخولة بفرض العقوبات التأديبية والانضباطية بحق المخالفين من منتسبي وموظفي قوى الأمن الداخلي وهم كل من الوزير وأمر الضبط الأعلى في الدائرة وسلطة المجلس التحقيقي المشكلة بموجب القانون ومحاكم قوى الأمن الداخلي التي تنظر في تجريم الأفعال في القضايا المحالة إليها وتحديد العقوبات المناسبة فيها وفقا للقانون.

 فيما حدد قانون العقوبات لقوى الأمن الداخلي القوانين العقابية التي تحكم رجل الشرطة من الناحيتين الجزائية والضبطية  (تسري أحكام قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 وقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 وقانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983 في الأمور التي لم ينص عليها في هذا القانون ) ، وقد المحنا إلى إن هذه الصلة ليست دائمية لخصوصية تتميز بها القاعدة الإجرائية عن القاعدة الموضوعية ، فإذا كانت القاعدة الموضوعية تسري على الأفعال الجرمية التي تحدث بعد نفاذها فأن القاعدة الإجرائية تسري على الجرائم التي لازالت في طور التحقيق حتى وان حصلت قبل نفاذ القانون ما دامت لم تحسم بعد.

 ويرى جانب من الفقه بأنه رغم اختلاف التشريعات الانضباطية إلا أن السلطات الانضباطية لا تخرج عن إحدى النماذج الثلاث وهي النظام الرئاسي والنظام القضائي والنظام شبه القضائي ، وقد تتباين السلطات الانضباطية من مرفق إداري إلى أخر حسب طبيعة العمل وظروفه ، فالمرافق المدنية تختلف طبيعة أعمالها عن المرافق الخاصة بجهاز الشرطة ، ومن ثم قد يختلف النظام الانضباطي الخاص بمرفق الشرطة عن الأنظمة الأخرى ، كما إن هذا النظام قد يختلف من دولة إلى أخرى تبعاً لاختلاف الأيديولوجية السائدة في هذا المجتمع أو ذاك ، أي تبعاً لاختلاف العقائد والأفكار والمذاهب السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في كل منها.

 ولم يأخذ المشرع العراقي في قوانين الشرطة بالنظام القضائي التأديبي واكتفى بالنظام الرئاسي لتوقيع الجزاء الانضباطي على رجل الشرطة المخالف لواجبات وظيفته.

 ونرى بأن العقوبة الانضباطية لرجل الشرطة من المواضيع ذات الطابع العملي الملموس في المجال الوظيفي الذي يدخل في صميم عمل الشرطة وهي على اتصال مباشر ومستمر بالواقع الذي يعيشونه وما يرافقه من تطورات علمية وعملية ، لذا يتطلب إصدار  تشريعات تنظم عمل جهاز الشرطة وهذه مهمة القائمين على عملية التشريع في البلد لتواكب تطور مرفق الشرطة باستمرار .

 وانّ الضوء يجب أن يبقى مسلطاً على ما يجب أن يكون عليه حال السلوك لرجل الشرطة وأن يسود التوجّه لتعزيز الرقابة على هذا السلوك إداريّاً وقضائيّاً واجتماعيّاً  وكلّ هذا لنحمي في بادئ الأمر رجل الشرطة نفسه من حالات الانحراف الوظيفي وتفشي الفساد وانعدام الكفاءة  ونجعل منه فعلاً جوهر نظرية العدل ، بعدها نجد أنّ دراسة سلوك منتسبي الشرطة من أهم أسباب إتقان ولاية السلطة الانضباطية للجهة الإدارية لديهم  وتحقيق العدالة  في فرض العقوبات الانضباطية ، وكما يبدو من واقع الحال فإن للشرطة تجاوزاتها كما يمكن أن يكون لأي جهة وظيفية أو لأي جهة صاحبة سلطة أو مركز إداري، ونظرا لما تمتاز به أجهزة  الشرطة وطبيعة الأعمال المكلفة بها  فقد استوجب أن تختلف أحكام القوانين المنظمة لها عن تلك التي تنظم الخدمة المدنية وما يحكمها من مبادئ أساسية كالانضباط والطاعة والسرعة في إجراء مساءلة المسيء  وفرض عقاب رادع عليه للحفاظ على أمن وسلامة مرفق الشرطة التي هي بذات الوقت الحفاظ على سلامة الوطن.

 

معايير فرض العقوبات الانضباطية

إن فرض العقوبة الانضباطية على الموظف المخالف تحكمه بعض الضوابط تتعلق بذات العقوبة والبعض الأخر متعلق بسلطة الانضباط ويمكن بيان هذه الضوابط على ضوء المبادئ القانونية التي نصت عليها القواعد العامة للعقاب وعلى النحو التالي  :-

أولا:المشروعية في العقوبات الانضباطية

يعد مبدأ المشروعية من أهم المبادئ التي تحكم فرض العقوبات إذ يتوجب على الإدارة ما يلي :-

1-الالتزام بمشروعية العقوبات الانضباطية :- ويقصد به أن تكون العقوبة المفروضة على المخالف من بين العقوبات التي نص عليها القانون على سبيل الحصر فلا تملك الإدارة او اللجنة التحقيقية المكلفة بالتحقيق التوصية بتوقيع عقوبة لم ترد في نصوص القانون ولو كانت ملائمة مع موضوع  المخالفة ومن ثم فأن العقوبات الانضباطية تتشابه مع العقوبات الجزائية في خضوعها للمبدأ القانوني العام ( لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص) المستقر في اغلب الدساتير والقوانين الجزائية.

2-الالتزام بالإجراءات الشكلية التي اقرها القانون لفرض العقوبة الانضباطية : فلا يكفي أن تفرض العقوبة الانضباطية من بين العقوبات التي نص عليها القانون بل يشترط كذلك أن يكون فرضها وفقا للأوضاع والشكليات التي اشترطها القانون من حيث إحالة المخالف للتحقيق وإبلاغه بذلك والاستماع إلى دفوعه حول ما نسب اليه.

3-أن تنصب العقوبة على المزايا والحقوق المادية والمعنوية للموظف : يجب أن لا تنال العقوبة من سمعة المخالف او هيبته لأنها تعد حينها بمثابة عقوبات غير قانونية متى انطوت على معنى الإساءة وتجاوز الحدود القانونية المقررة كونها رتبت اثأرا لم ينص عليها القانون.

ثانيا مبدأ الملائمة ( التناسب بين المخالفات والعقوبات  الانضباطية المقررة لها :

      والقائمة على إن المساواة في تطبيق العقوبات الانضباطية ونفاذ أثارها على جميع المخالفين دون تمييز بينهم ومتناسبة بين القرار ومحله كون الإدارة تملك سلطة تقديرية واسعة في تحديد المخالفات وكذلك سلطتها في تحديد العقوبات الانضباطية  المناسبة لها وان هناك حدود لهذا التناسب فالإدارة ليست مطلقة الحرية مما يفسح لها المجال في التعسف في استعمال هذه السلطة بل مقيدة بمبدأ التدرج في العقوبات تبعا لخطورة المخالفة ومشروعية العقوبة. 

 ثالثا:عدم تعدد العقوبات الانضباطية:  ويتجلى هذا المبدأ بعدم جواز معاقبة احد منتسبي الشرطة المخالف بأكثر من عقوبة واحدة من قبل جهة الإدارة كونه يشكل ازدواجا في حق الإدارة في التأديب وانقلاب العقوبة إلى وسيلة للانتقام من المنتسب  والتنكيل به وليس لضمان فاعلية العمل الإداري واستقراره.

 ويتطلب لتحقيق هذا المبدأ غرضين مهمين وهما وحدة المخالفة بأن تكون هناك مخالفة واحدة تفرض من اجلها العقوبة ووحدة النظام القانوني الذي تنتمي إليه العقوبات المقررة في النظام القانوني المطبق .

 

موانع مساءلة الموظف عن المخالفة الانضباطية

استقر القضاء العراقي على أن ثبوت الخطأ من جانب الموظف ليس بالضرورة إمكانية مساءلته انضباطيا في كل الأحوال إذ توجد بعض الحالات لم يجوز القانون مساءلته عما ارتكبه من مخالفة وظيفية وتتمثل بما يلي :-

1- اداء الواجب

2- القوة القاهرة

3-توجيه الرئيس المباشر

4- فقدان الإرادة

5-سوء تنظيم المرفق العام

وفي كل الأحوال فأن سلطة الإدارة مقيدة بموجب القانون الذي منحها هذه السلطة في فرض العقاب على منتسبي قوى الأمن الداخلي وفي نفس الوقت أعطى المشرع لوزير الداخلية او من يخوله سلطة تقديرية واسعة في إيقاع العقوبة المناسبة على المخالفات التي لم يرد فيها نص قانوني يجرمها ويجعلها من الأفعال التي يعاقب عليها القانون كذلك أعطى المشرع سلطة تقديرية للجان والمجالس التحقيقية صلاحية التوصية بالعقوبة الانضباطية  .

ونرى بانه يتطلب إعادة النظر في صياغة مضمون العقوبات المنصوص عليها في القوانين العقابية التي تنظم عمل جهاز الشرطة بما يتلاءم ومصلحة أجهزة قوى الأمن الداخلي ، ونأمل من المشرع العراقي إصدار لائحة يقنن بها أهم المخالفات الانضباطية التي يتوقع أن يرتكبها رجل الشرطة والعقوبة المناسبة لها ، لتصبح دليلاً تسير بموجبه السلطات المخولة للتأديب فتحسن إجراءات فرض العقاب دون التعسف باستعمال السلطة لتقيدها بالنص الموجود ، وأيضا ليعرف رجل الشرطة المحذورات والعقوبات المخصصة لكل محذور لغرض تجنبها وعدم الوقوع فيها ، فتصبح له حصانة من ارتكاب الخطأ.

 وأن تقوم جهة الإدارة باقتراح محو العقوبة الانضباطية المقررة بحق المنتسب الذي يبدي التزاما واضحا في مجال عمله وتفتح بذلك باب التوبة لكل منتسب لديه عقوبات في إبداء استعداده في عدم العودة إلى المخالفة وما لهذا المقترح من أهمية يتركها في نفسية المشمولين بالعقوبات وتشجيعه على الاستقامة وإصلاح شأنه بما يخدم عمل جهاز الشرطة .